يفكك رمزي بارود خطاب القوى الغربية المتوسطة، ويرى أن ما يجري في غزة كشف بوضوح مفارقة أخلاقية عميقة: قادة ينددون بانهيار “النظام الدولي القائم على القواعد” عندما تُهدَّد مصالحهم، لكنهم يشاركون في تعطيله حين يتعلّق الأمر بفلسطين.

 

يربط الكاتب بين هذا الانفصام وبين تحولات أوسع في النظام العالمي، حيث تسعى دول مثل كندا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى حماية نفسها حتى لو كان الثمن التضحية بغزة.


توضح ميدل إيست أونلاين أن خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس مطلع 2025 بدا صادمًا في صراحته، حين أعلن أن “النظام القديم لن يعود” وأن العالم يعيش “قطيعة لا مرحلة انتقالية”، محذرًا من واقع يسمح للأقوياء بفعل ما يشاؤون بينما يُترك الضعفاء لمصيرهم.

 

خطاب ثوري… وسياسة نقيضة

 

يدعو كارني في دافوس إلى “الاستقلال الاستراتيجي” للقوى المتوسطة، ويطلق عبارته اللافتة: “إذا لم نكن على الطاولة، فنحن على القائمة”.

يحث الغرب على الانتقال من “قوة القيم” إلى “قيمة القوة”، في لهجة أقرب إلى الشعبوية منها إلى خطاب مصرفي سابق. لكن بارود يحذّر من الانخداع بهذه اللغة، ويشير إلى سجل الحكومة الكندية في ما يخص غزة.

 

يستحضر الكاتب لحظة مفصلية في كالجاري، حين صرخ أحد الحضور في تجمع انتخابي: “هناك إبادة جماعية في فلسطين”، فرد كارني: “أعرف ذلك، ولهذا نفرض حظرًا على السلاح”. بدا للحظة أن زعيم دولة من مجموعة السبع يعترف بالوصف القانوني لما يجري في غزة.

سرعان ما تراجع الخطاب تحت الضغط السياسي، إذ ادعى كارني لاحقًا أنه لم يسمع كلمة “إبادة”، وأنه كان يتحدث تقنيًا عن قيود تسليحية. يعكس هذا التراجع، وفق بارود، كيف تختزل الحكومات الغربية الإبادة في “أزمة إنسانية” بلا مسؤوليات قانونية.


ازدواجية غربية ممنهجة

 

لا يقف هذا التناقض عند كندا. يرى بارود أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس أتقنوا لغة مزدوجة تحمي سيادتهم وتتجاهل سيادة الآخرين. تندد العواصم الغربية بأي تهديد أمريكي لحدودها أو تجارتها، وتطالب باحترام القانون الدولي حين يمسّ مصالحها، لكنها تتخلى عن هذه المبادئ عند الحديث عن إسرائيل.


يقارن الكاتب بين عناوين غربية غاضبة تحذر من “عالم بلا قواعد” في مواجهة ضغوط واشنطن، وبين بيانات رسمية تؤكد “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” وتفصل هذا “الحق” عن أي مساءلة قانونية. يبلغ التناقض ذروته عندما تستهدف هذه الدول مؤسسات القانون الدولي نفسها.


عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت بتهم جرائم حرب، لم يسارع حماة “النظام القائم على القواعد” إلى دعم القضاء، بل سعوا إلى الطعن في اختصاصه أو التشكيك في شرعيته. في كندا، قدّمت الحكومة مذكرة لإسقاط دعوى تطالب بمساءلتها عن الفشل في منع الإبادة، بحجة أن السياسة الخارجية “مسألة سياسية” لا قضائية. في فرنسا وألمانيا، برزت تفسيرات انتقائية للحصانة والسيادة لا تُمنح عادة لخصوم الغرب.


غزة قربان لنظام مختل


يرى بارود أن هذا السلوك ليس خطأً عارضًا، بل جزء من بنية نظام دولي صُمّم تاريخيًا لخدمة مصالح الغرب على حساب الجنوب العالمي. تشعر كندا وأوروبا اليوم بالقلق لأن امتيازاتهما باتت مهددة، لا لأن القانون الدولي انتهك في غزة. يصرخون طلبًا للحماية عندما تُهدَّد طرق تجارتهم وحدودهم، لكنهم يهدمون الإطار القانوني نفسه لحماية حليف يرتكب جرائم واسعة النطاق.


يمنح التحول الجاري في السياسة الأمريكية الإسرائيلية، بحسب الكاتب، فرصة نادرة لهذه القوى لمراجعة إرث “الشرعية الانتقائية”. يمكنها أن تطبق القانون بلا استثناء، وتلاحق مجرمي الحرب بلا تحيز، وتنهي دورها كشريك ثانوي في دعم احتلال دموي. لكن الإخفاق في ذلك يكشف أن “القطيعة” التي يتحدث عنها كارني هي جرح صنعته هذه الدول بنفسها.


يختتم بارود بأن القيم التي تُستدعى عند الحاجة فقط ليست قيمًا، بل أدوات ضغط. إذا واصل الغرب المطالبة بالقواعد حين تكون مصالحه “على المائدة”، فلا ينبغي أن يتفاجأ حين يتوقف العالم عن الإصغاء. بالنسبة لكثيرين، حدث ذلك بالفعل.

 

https://middle-east-online.com/en/menu-how-middle-powers-sacrificed-gaza-save-themselves